ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
50
الوشى المرقوم في حل المنظوم
فلما طلب من الأمراء أن يحلفوا له أظهروا له أيمانا وهم قد أضمروا الحنث فيها ، ولم يخف ذلك عليه . ولما رأى الفاضل أمور الأفضل مختلة تركه سار إلى مصر وشرع الوزير الجزري في تفريق العصبة الناصرية ، وما منهم إلا من فارق إلى الديار المصرية . وكان قد أشير على الأفضل باخلاء البيت المقدس لنواب العزيز بأعماله حذرا عليه من تكاليفه وأثقاله ، فأجاب إلى ذلك وقد كانت نابلس وأعمالها قد وقف السلطان ثلثها على مصالح القدس وباقيها على ابن الأمير علي بن أحمد المشطوب ، فشاركه أحد الأمراء الأكراد فيه ، فمدوا أيديهم إلى الوقف ، وساءت سيرتهم وتخوفوا من إنكار الملك العزيز عليهم ، فلجئوا إلى الأفضل فأفضل عليهم وسكن إليهم ، فتأثر الملك العزيز لذلك » « 1 » . ويواصل العماد قوله في رسالته التي كتبها تأريخا لما حدث بعد وفاة السلطان صلاح الدين حتى سنة 592 ه : « . . . فخرج العزيز بعساكره ، وبلغ الأفضل فضاق صدره ، واجتمع بمن في خدمته من الأمراء . . . ورأى الأفضل أن يكتب إلى أخيه بكل ما يحب من إعلاء كلمته والاجتماع عليه ، ويكون الأفضل من بعض القائمين بين يديه ، طلبا لتسكين الفتن ، ورغبة في ذهاب الإحن . فأشير عليه بغير الصواب ، وقيل : أنت الكبير ، وإليك التدبير ، فجدّ واجتهد ، ولا تعلم أصحابك بهذا الخور الذي داخلك ، والجبن الذي نازلك ، ونحن بين يديك ، وكلنا عاقدون بالخناصر عليك . ووصل رسول الملك الظاهر والكتب من الملوك الأكابر بالانجاد المتظاهر للأفضل ، وسير الأفضل إلى عمه العادل وهو بحران والرها كتبا ورسلا . . . وذلك في أوائل جمادى الآخرة من شهور سنة تسعين ولم يشعر الأفضل إلا والعزيز بعساكره قد وصل إلى الفوار . . . حتى وصل عمه العادل فكتب إلى العزيز يسأله الاجتماع ، فتواعدا واجتمعا راكبين بصحراء المزة ، فعذله في أخيه ، واستنزله عما كان فيه . فقال : عليّ رضاك ، واتباع هواك ؛ فقال : نفّس عن البلد الخناق . وكان قد بلى البلد منهم بما لا يطاق ، من قطع الأنهار وقطف الثمار . فتأخر العزيز إلى صوب داريا والأعوج . . . فاتفقوا على عقد يؤكد وعهد يمهد
--> ( 1 ) الروضتين في أخبار الدولتين 4 / 419 ، 420 .